القائمة الرئيسية

تقرير تقييمي حول المتابعات التأديبية التي تم تحريكها ضد القضاة بداعي خرق واجب التحفظ بعد دستور 2011 حالة القاضي محمد الهيني نموذجا.




نسخة للتحميل

القضاة المتابعين أمام المجلس الأعلى للقضاء بعد دستور 2011:

محمد عنبر
محمد قنديل
محمد الهيني (متابعتين)
عادل فتحي
رشيد العبدلاوي
أمال حماني
القضاة الأخرين تم إحالتهم على المفتشية ولم يتقرر متابعتهم.
وعدد من القضاة تمت متابعتهم وأخذت قضاياهم اهتمام الإعلام إلا أنهم توبعوا بسبب أفعال تتعلق
بالرشوة وليس بسبب آرائهم.

رؤية جمعية عدالة:

إن المتابعات التاديبية التي طالت القضاة بعد النقاش المفتوح لتنزيل مقتضيات دستور 2011 بخصوص القوانين التنظيمية للسلطة القضائية، كانت مبنية على اساس خرق واجب التحفظ، والأكيد أن موضوع واجب التحفظ من الجزئيات التي تفرض نفسها للنقاش ضمن الموضوع العام المتعلق بإستقلالية السلطة القضائية؛
بغض النظر عن إتفاقنا مع مواقف القضاة أو إختلافنا معهم فإننا نسجل أن  واجب التحفظ أصبح من الوسائل المستعملة بحدة ضد قضاة يدلون بآرائهم فتتم إحالتهم على المجلس التاديبي،
 نشير أن جمعية عدالة كانت منذ البداية في قلب التوافق الايجابي حول إصلاح منظومة العدالة، وحاولت في محطاتها العدة أن تكرس في مذكراتها الترافعية وفي دراساتها تنزيل المبادئ الأساسية المتعلقة بإستقلال السلطة القضائية؛
وقد أكدت دائما في إطار مناقشتها للقوانين التنظيمية المتعلقة بالسلطة القضائية على  مستوى ضمانات مسطرة تأديب القضاة، على ضرورة تحديد ماهية واجب التحفظ على سبيل الحصر، إلى جانب ضمان نقل صلاحیات تقییم ومراجعة تأدیب المسؤولین القضائیین لمھامھم المتعلقة بالإدارة القضائیة من السلطة المكلفة بالعدل إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائیة؛ وعدم تضمين ملف القاضي إلا المقررات التأديبية النهائية الصادرة عن المجلس، وكذا ضبط المخالفات التأديبية للمسؤول القضائي بما يتلاءم مع طبيعة الاختصاصات الموكولة له (من قبيل الإدلاء بتقارير خاطئة ـ تجاوز قرارات الجمعيات العمومية ـ التأثير غير المشروع على القضاة ـ عدم توفير وسائل و آليات العمل)، وكذا تبسيط مسطرة رد الاعتبار بالنسبة للقاضي الذي صدرت في حقه مقررات تأديبية.
الأكيد أن صناعة القانون لا يجب أن يتم بناء على ردود الفعل، بل التشريع يجب أن يراعي أن تكون القاعدة القانونية عامة ومجردة؛ كما أنه يجب أن تراعى فيه المصلحة الوطنية، لأن التشريع في هذه المرحلة التأسيسية بعد دستور 2011 يجب ان يكون بناء على روح التوافق الذي بنيت عليه الوثيقة الدستورية.
 
  • على مستوى مفهوم واجب التحفظ من زاوية التأطير القانوني:  فإننا نجد أن الفصل 111 من الدستور ينص في فقرته الأولى  على انه "للقضاة الحق في حرية التعبير، بما يتلاءم مع واجب التحفظ والأخلاقيات القضائية." 
وليس لدينا في التشريع الوطني المرتبط بالوضعية المهنية للقضاة تحديدا دقيقا لواجب التحفظ وهو أمر يرجع لكون المتفق عليه في الأنظمة القانونية الفرنكوفونية أن التعريفات ليست اختصاصا تشريعيا بقدر ما هو اختصاص أصيل للمنظرين والفقهاء والباحثين، كما أن البحث في المفهوم اللغوي لمصطلح التحفظ لن يفيدنا في شيء أمام الزخم الذي منح لهذا المبدأ في علاقته بسلوكيات القاضي سواء داخل المحاكم أو خارجها(د خالد الإدريسي)؛ ويبقى الملاذ لتلمس معنى عملي لهذا المفهوم هو المبادئ المنصوص عليها في المواثيق الدولية التي عالجت المفهوم بربطه  بحرية الرأي والتعبير الذي يشكل أقوى تجليات حقوق الإنسان وهو ما يؤكده العهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية،
من جانب آخر أكدت المبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشان استقلالية السلطة القضائية التي تم ترسيخها بمقتضى مؤتمر الأمم المتحدة السابع لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين بميلانو على أنه وفقا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان يحق لأعضاء السلطة القضائية كغيرهم من المواطنين، التمتع بحرية التعبير و الاعتقاد و تكوين الجمعيات و التجمع؛ و هو الأمر ذاته ما تقره مبادئ بانغالور وما أكده مجلس بيرغ بشأن استقلال السلطة القضائية؛
 
  • أما على مستوى الواقع العملي:
للإشارة فإنه في مرحلة ما كان مفهوم واجب التحفظ في التمثلات الذهنية للمجتمع يشمل حتى وضعية هندام القاضي وكان يعتبر مجرد إستعمال القضاة لوسائل المواصلات العمومية أو التواجد في الأسواق الشعبية يعتبر خرقا لواجب التحفظ. وبداية يجب التأكيد أن الوضع يشهد بعض التطور الإيجابي فمجرد مناقشة مبدأ واجب التحفظ من طرف قضاة هو في حد ذاته كان سيعتبر في فترة ما خرقا لواجب التحفظ لكن هامش الحريات الممنوحة للقضاة خاصة من خلال أحقيتهم في تأسيس جمعيات مهنية والتعبير من خلالها على توجهاتهم وآرائهم تطور معه الأمر بشكل آلي في إتجاه عدم إعتبار إدلاء القضاة بآرائهم فيما يخص أي نوع من المقتضيات القانونية خرقا لواجب التحفظ؛ ففي إطار هذا الوضع ولتحديد الموقف من مبدأ واجب التحفظ وحدوده التي يجب أن ينضبط لها عندما يتعلق الامر بقضاة يبدون وجهات نظرهم بخصوص إحدى مشاريع القوانين فإنه نأخذ على سبيل المثال ومن وحي الواقع الذي لا يرتفع نأخذ حالة القاضي محمد الهيني مادام أنها الحالة الوحيدة التي مكنتنا من الإطلاع على كيفية التعامل مع واجب التحفظ من خلال تقارير المقررين وتقارير المفتشية العامة لوزارة العدل والحريات؛
فمن خلالها نجد أنه يتم التعامل مع واجب التحفظ بنوع من التمطيط ليشمل حالات عدة لا يمكن إعتبارها مندرجة ضمن هذا المبدأ في ظل دستور منح للقضاة حق الانضمام للجمعيات المدنية؛
إذ نجد انه يمكن تكييف الإدلاء برأي ما على أنه إدلاء برأي سياسي ويعتبر خرقا لواجب التحفظ يستوجب المتابعة، وهو أمر لا يستقيم مادام أن المشرع الدستوري قد جعل من المجتمع المدني إحدى المؤسسات التي تساهم في بلورة السياسات العمومية، مادامت الجمعيات يمكن أن تدلي بمواقفها إتجاه نقطة متعلقة بالسياسة العمومية، إذ يمكن أن يعتبر أن القاضي المنتمي لها قد أدلى برأي سياسي مادام انه منتم لهذه الجمعية؛
إذن الوضع يستلزم التمييز بين مواقف القاضي عند قيامه بمهامه القضائية ومواقفه وهو مرتد لجبة الفاعل الجمعوي التي يرتديها بقوة الدستور الذي سمح له بها؛
من جانب آخر نسجل إضفاء الصبغة السياسية على عدد من المواقف التي يدلي بها القضاة أمام صعوبة ضبط معنى الرأي ذي الصبغة السياسية، خاصة وأن القضاة غير مُمثّلين في غرفة البرلمان ولا يمكنهم أن يدلوا بآرائهم في هذه المواضيع التي تتعلّق بهم ولهم فيها موقف يقترب من الصواب نتيجة الخبرة النظرية والعَمَلية، فإنهم وبالتالي من الصواب الاستفادة مما يتيحه لهم الدستور (حرية التعبير وحرية الانخراط في جمعيات مهنية كانت أو غير مهنية، لأن المشرّع الدستوري لم يكن يعبث لمّا فرّق بين "الانتماء إلى جمعيات" من دون تحديد كنهها، وبين "الانخراط في الجمعيات المهنية"، ولم يكن يعبث لما حضر على القضاة الانتماء فقط إلى النقابات والأحزاب،ولا يمكن تبعا لذلك إنتقاد توجه المؤسسة التشريعية في شأن تشريع ما خرقا لواجب التحفظ واعتباره رأيا سياسيا أو ممارسة من القاضي للسياسة؛
إن ما يمكن إعتباره خرقا لواجب التحفظ وفق المواثيق الدولية والمنطق السليم هو إدلاء القاضي بموقف في قضية معروضة أمامه، خاصة أن الآراء السياسية هي مجرد أراء نسبية يصعب الحسم في كونها فعلا عبارة عن رأي سياسي؛
إن الوضع يستلزم الإرتكان للمفهوم الضيق للسياسية والمتمثل في الانخراط في هيئات سياسية تروم الوصول إلى السلطة وممارسة تطبيق برنامجها، إعتبار ما دون ذلك من مواقف معينة هو من قبيل ممارسة العمل الجمعوي وأن الأمر يتعلق بتنزيل لأحد أهم أدوار المجتمع المدني وهو التوعية وتتبع السياسات العمومية.
من جانب آخر نجد أنه وفي إطار التأديب لخرق واجب التحفظ تم إعتماد مقاربة الإستقلال عن سلطة الإعلام لما أصبح لها من أثر قوي في تكييف الرأي العام، وهي مقاربة حكيمة بطبيعة الحال، لكن في الجانب المتعلق بتحفظ القضاة عن التأثر بهذه السلطة في تأسيس قناعاتهم بخصوص أي ملف معروض أمامهم؛ ولا يمكن إعتبار التعامل مع هذه السلطة في إطار نشر الأفكار والآراء بمثابة خرق لواجب التحفظ؛ لما يتميز به عصرنا الحديث بصراع قوي في نشر الفكر والآراء وإيصال الفكرة، و لما يشهده إستعمال تقنيات من تحول وإختلاف كبير على مستوى أنماطه؛ ولما لذلك من انعكاسات على المجتمع، و من يتأخر عنها يصنف أنه تخلف عن الركب، فإلى جانب هذا التطور، هناك تطور قانوني وحقوقي، يسمح للمجتمع باستعمال جميع الوسائل المشروعة لإيصال أفكاره وآراه، وهو الإستعمال الذي يجب الإعتراف به إيضا للقضاة مادام الأمر لا يتعلق بخرق لسرية المداولات وابداء آراء مرتبطة بملفات معروضة أمامهم؛
وهذا ما يجب إستحظاره عندما نود الإجابة عن تساؤل أين تنتهي حرية التعبير بالنسبة للقضاة و أين يبدأ واجب التحفظ؛ ففعلا وصلنا للمرحلة التي يجب أن نناقش فيها واجب التحفظ وقراءته قراءة علمية أكاديمية وعملية، بإستحضار المواثيق الدولية، والتجارب المقارنة الرائدة؛ خاصة تلك التي عمدت إلى إنشاء مجلس دولة له إختصاص مراقبة وتقويم عمل السلطة التأديبية؛
إن النظم والتشريعات القانونية المختلفة أقرت للقضاة قواعد خاصة بمساءلتهم مدنيا وجزائيا وتأديبيا وهذه القواعد تختلف بشكل أو بأخر عن النظم المقررة للموظفين العامين وأعوان الدولة بصفة عامة، ولعل التمييز يتجلى في إسناد مساءلة القضاة إلى هيئة دستورية تتولي محاسبتهم بشكل يضمن لهم عدم تدخل السلطة التنفيذية أو التشريعية في تأديبهم وذلك حرصا على مبدأي استقلال القضاء من جهة والفصل بين السلطات من جهة أخرى، وهذا كله لتحقيق غاية أسمي وهي الحفاظ على عدل القاضي وحياده، والتأكد من عدم استعمال واجب التحفظ لتحريك مسطرة التأديب بشكل كيدي؛
يجب أن يأخذ واجب التحفظ فقط كآلية من آليات حماية مصلحة المرفق وتأكيد مبدأ المساواة للمستفيدين منه؛ ولا يمكن استغلاله كمبدأ للتحكم في القضاة والحد من حرية تعبيرهم، وجعلهم مجرد آلات لإصدار الأحكام، ولا يجب التوسع فيه إلى الحد الذي يصبح معه سيفا مسلطا على رقاب القضاة.


ملاحظات حول المحاكمة التأديبية للأستاذ محمد الهيني:
 
  • خضوع النظام التأديبي القضائي لحكم القواعد الدستورية ولضمانات حقوق المتقاضين، بصفة عامة ، كفيل بإقرار محاكمة تأديبية عادلة
  • أوجه عدم الدستورية تتجلي واضحة من كون ظهير 11 نونبر 1974 بمثابة النظام الأساسي لرجال القضاء في بابه الخامس المتعلق بالمسطرة التأديبية ( المادة 58 وما يليها ) المعتمدة في المحاكمة التأديبية
  • إبداء القاضي لرأي معين بمناسبة مقال أو ندوة معينة لا يمكن أن يعتبر مساسا بالوقار أو الكرامة ،لأن هذا المفهوم يتعلق بالمظهر اللائق أو السلوك المشين الماس بسمعة القضاء أو بأدبياته ورسالته، فالرأي المندرج ضمن حرية التعبير المكرسة دستوريا يمكن أن يقع تحت طائلة مخالفة واجب التحفظ في حالتي إبداء الآراء السياسية أو النقابية والخروج عن مقتضيات التجرد بمناسبة قضية رائجة
وفي هذا الإطار ينص  الفصل 25 من الدستور على أن  حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكاله حرية الإبداع والنشر والعرض في مجالات الإبداع الأدبي والفني والبحث العلمي والتقني مضمونة
 
  • إن  حرية النقد صورة من صور حرية الرأي والتعبير، تتيح للإفراد بطريقة غير مباشرة المشاركة في الحياة العامة والإسهام في مواجهة المشكلات وإدارة شؤون الوطن
جاء في قرار صادر عن محكمة النقض. 
"القذف لا يتحقق الا بنسبة واقعة معينة مشينة الى الشخص المقذوف على سبيل التأكيد, أما مجرد انتقاد شخص دون توجيه اتهام له بما يشينه وذلك بالتساؤل عن طبيعة التسيير المالي للنادي محل النزاع فلا يعتبر قذفا حتى لو تضمن اسمه, اذ هو مجرد ممارسة لحرية التعبير.
( قرار محكمة النقض عدد 1643/10 صادر بتاريخ 25 نونبر 2009).

كما جاء في قرار للمحكمة الدستورية المصرية ما مؤداه أن "الطعن في أعمال الموظفين العموميين أو المكلفين بالخدمة العامة باعتبار أن هذه الأعمال من الشؤون العامة التي لا يجوز أن يكون الاهتمام بالاستقامة في أدائها والالتزام بضوابطها ومتطلبتها وفقا للقانون مقصورا على فئة من المواطنين دون أخرى، بما مؤداه أن يكون انتقاد جوانبها السلبية وتعرية نواحي التقصير فيها وبيان أوجه مخالفة القانون في مجال ممارستها، حقا لكل مواطن وفاء بالمصلحة العامة التي يقتضيها النهوض بالمرافق العامة وأداء المسئولية العامة على الوجه الأكمل، ولأن الوظيفة العامة وما يتصل بها من الشئون العامة لا تعدو أن تكون تكليفا للقائمين عليها. والتزامهم الأصلي في شأنها مقصور على النهوض بتبعاتها بما لا مخالفة فيه للقانون . 

وهكذا فإن نقد الأشخاص المكلفون بمهام إدارة عمومية أو مرفق إداري بشأن أعمالهم لا يقع تحت طائلة التأثيم طبقا لما استقر عليه القضاء المقارن بكون من لا تتسع نفسيته للنقد أن يلزم بيته وألا يقبل بأن يكون مسؤولا، وما  خلص إليه قرار شهير لمحكمة النقض الفرنسية بأنه ﻻ يمكن لمن يتولى المناصب و المسؤولية في تسير الشأن العام أن يحصن سياساته من النقد حتى لو تضمن عبارات تقدح في كفاءته و قدرته على حسن اﻻدارة. 

عدم احترام قاعدة علنية المحاكمة التأديبية :
 
  • توفرعلانية المحاكمة للإعلام خصوصا والجمهور عموما فرصة لمعرفة كيفية تطبيق القانون من قبل السلطة القضائية، إذ الأصل هو علانية المحاكمة ، فقد جاء في الفقرة (1) من المادة 11 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر عام 1948" كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئا الى ان يثبت ارتكابه لها قانونا، في محاكمة علنية تكون قد توفرت فيها جميع الضمانات اللازمة للدفاع عنه"، وجاء في الفقرة (1) من المادة (14) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، "الناس سواسية امام القضاء، ومن حق كل فرد لدى الفصل في أية تهمة جزائية توجة اليه او في حقوقه والتزاماته في أية دعوى مدنية، ان تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة مستقلة وحيادية"
  • إن رفض المجلس الأعلى للقضاء الدفع بخرق العلنية  ضدا على الدستور يجعل المحاكمة سرية وتفتقد لأبسط الضمانات القانونية ،مما يبعث الشك والريبة على أدائها والضمانات المرتبطة بها
  • إن الملف خال من أي وسيلة إثبات تعزز المتابعة التأديبية،وأن ما تضمنه لا يعدو أن يكون مجرد خلق لاتهامات وهمية  عامة وتصريحات متناقضة لا تقوم على أساس صحيح من الواقع أو القانون
  • إن العيوب التي امتدت إلى تقرير المفتشية تعكس حجم الخلل الذي يشوب صناعة التقارير الإدارية القضائية   من غياب التحري وإبراز الحقيقة والذود عنها لإنصاف المظلوم وإرجاع الحقوق_ والتي يترتب عنها البطلان لكون حيادية التقرير جزء من المحاكمة التأديبية العادلة.
  • إن القاضي لا يمكن أن يسأل تأديبيا إلا عن الأخطاء الخطيرة المرتبطة بسلوكيات الوظيفة أو أعمالها ، و تلك قاعدة تهدف إلى تجنيب المجلس الموقر من النظر في الكثير من الأخطاء التي من شأن تحريك المتابعة بشأنها إضفاء مجرد تراكم عددي يضاعف من عمل المجلس ويأخذ من وقته ويبعده عن دراسة الملفات الشائكة التي تقتضي بحثا وتحقيقا معمقا ومداولات وقرارات حاسمة ينتظرها الجميع . 
    وحيث إن كثيرا من واجبات القاضي ترجع إلى الضمير و إلى المسلك العام ، لكن ذلك لا يمنع من مساءلته عن أفعال محددة وليس عن أفعال  عامة حتى لا يتم النفخ والتضخيم من  سلطة التأديب و إبعادها عن تحقيق أهدافها لتشمل أمور سطحية ومختلقة.
  • وحيث إن الأجدى والأنفع أن لا يتم إحالة جميع المخالفات على المجلس الأعلى للقضاء هذا بدون حصر و تحديد مواطن العثرات و مكامن الزلل بدون تساهل مما يسقطنا في خطر الجمود والتعميم وضررها على القاضي والعدالة أكثر من نفعها ، بأن ينصب روح عمل المجلس على ما يستحق ويصلح كأساس للعقاب بالنظر للاعتبارات العامة والغائية المستهدفة من تحقيق المصلحة القضائية وليس الردع بنوعيه العام و الخاص.
  • من المبادئ العامة الأساسية في المسؤولية العقابية، سواء كانت جنائية أم تأديبية، وجوب الثبوت اليقيني لوقوع الفعل المؤثم من المتهم، وأن يقوم هذا الثبوت على أساس توفير أدلة كافية، لتكوين عقيدة المحكمة ويقينها في ارتكاب المتهم للفعل المنسوب إليه، ولا يسوغ قانونا أن تقوم الإدانة، تأسيسا على أدلة مشكوك في صحتها أو في دلالتها، وإلا كانت الإدانة مزعزعة الأساس متناقضة المضمون مفرغة من ثبات اليقين.
  • الوضع الاعتباري لرجالات السلطة القضائية لا يجد له انعكاسا في محاكماتهم التأديبية، فدونا عن باقي الموظفين، بل دونا حتى عن مجرمي الحق العام، ظل القضاة يئنون تحت نير المتابعات التأديبية التي يحتكر وزير العدل سلطة تحريكها بغير ضمانات تقيهم شر الشطط المحتمل في الزيغ بسلطة التأديب عن أهدافها التقويمية.
  • ظلت المفتشية العامة بخضوعها القانوني لسلطة الوزير، وبما راكمته من هالة في الوعي الجمعي للقضاة خارج أية مساءلة حقوقية، أو مناقشة قانونية لمدى انضباط إجراءاتها لمعايير المحاكمة العادلة
  • تعيين مقررين من مؤسسة النيابة العامة التي تتبع مباشرة وزير العدل وهو رئيسها حاليا مما يؤكد شبهة عدم الحياد. 
  • خرق مبدأ حقوق الدفاع لتقييد الدفاع بعدد محدد من الأعضاء الذين سيتولون المرافعة وعدم السماح لباقي الدفاع رغم إصرار هيئة الدفاع على حضورهم وعدم توليهم المرافعة ومن بينهم نقباء ومحامين وقضاة  دون بيان أساس هذا التحديد ولا منطلقه ،لأنه لا يجوز قانونا طرد الدفاع بسبب إصراره على ممارسة حقه الطبيعي في الترافع وتوفير الـأمن القانوني للمتابع ،لأن الأصل هو أن المتابع من له صلاحية تحديد عدد المترافعين وليس المجلس وفي ذلك تدخل سافر في صلاحية وحقوق القاضي المتابع.
  • معظم المساطر التاديبية تحركت بناء على مواقف تم الابداء عنها عبر وسائل التواصل الاجتماعي في حين ان الفايسبوك لا يحقق شرط العلنية لكونه مجال خاص ومحدود لا يكتسي الصبغة العمومية.
  • بالرجوع إلى بعض الوثائق الدولية التي تطرقت لواجب التحفظ المفروض على حرية القضاة في التعبير يلاحظ أنه غالبا ما يتم ربطه بممارسة القضاة لمهامهم القضائية أو بمناسبة ذلك، وهكذا تؤكد مبادئ الأمم المتحدة لاستقلال السلطة القضائية في مادتها الخامسة عشر على أن القضاة ملزمون بالمحافظة على سر المهنة فيما يتعلق بمداولاتهم وبالمعلومات السرية التي يحصلون عليها أثناء أداء واجباتهم الأخرى خلاف الإجراءات العامة. ويشير تعريف الاتحاد العالمي للقضاة لواجب التحفظ بأنه يعني ممارسة القضاة لواجباتهم باعتدال وكرامة وباحترام لمهامهم ولأي شخص معني. وفي هذا الإطار اعتبر المجلس الأعلى للقضاء بفرنسا من صور إخلال القاضي بواجب التحفظ قيامه بإفشاء سرية  التحقيق الجنائي في قضية ما، الشيء الذي يؤكد أن التعريف الديمقراطي لواجب التحفظ يقتضي حصر نطاقه على مجال ممارسة القضاة لمهامهم القضائية دون توسيعه ليشمل نشاطهم خارج إطار عملهم أو أي أنشطة جمعوية أخرى.
  • إيقاف البت في المتابعة التأديبية لتجريح وزير العدل والحريات بصفته نائبا لرئيس المجلس الأعلى للقضاء
  • تعتبر المساءلة  والمحاسبة الدستورية الجوهر الحقيقي لأي نظام قانوني؛ لأن التأديب هو نظام قانوني يستهدف تخليق الممارسة القضائية  بهدف صون قواعد سير العدالة وحماية حقوق المتقاضين دون إغفال حماية الأمن القانوني للقاضي الذي يعد شرطا لازما لرد أي تأثير على استقلاليته عبر بوابة المتابعات التأديبية غير المؤسسة والباطلة.
  • وحيث إن خضوع النظام التأديبي القضائي لحكم القواعد الدستورية ولضمانات حقوق المتقاضين، بصفة عامة ، كفيل بإقرار محاكمة تأديبية عادلة.
  • إن المعالجة الأخلاقية لتحريك المسطرة لا تقف عند حدود مساءلة واجب الحياد المفترض في رجل الدولة المكلف بتدبير الشأن العام، والتي تستوجب عليه فرض مسافة بين مهامه المؤسساتية وتوجهاته السياسية، ولكن وأساسا في مدى شرعية تحصيل الدليل المفترض على ارتكاب المخالفة التأديبية، و لقد تواترت الأنباء عن وجود لجنة تابعة للسيد الوزير محدثة خارج أي سياق قانوني مكلفة بتعقب ما ينشره القضاة على الفايسبوك، وثبت أن العديد من الزملاء الذين عرضوا على المفتشية العامة ووجهوا بتدويناتهم الخاصة، دون أن يتم تمكينهم من فحص شرعية مسطرة تجميعها، فالفايسبوك تتضمن معطيات شخصية خاصة بصاحبها، وتخضع بالتالي للتعريف المضمن في المادة 1 من القانون، فإن الجهة المكلفة بالمعالجة الآلية لهذه المعطيات هي الشركة المالكة لموقع التواصل فايسبوك، وإذا كان استعمال المعطيات الشخصية ينبغي أن يتم بكيفية نزيهة وبموافقة صاحبها طبقا للمادتين 3 و 4 . فإن المادة 10 منعت استنساخ هذه المعطيات وإعادة استعمالها بغير رضا صاحبها، بل وحتى الأحكام القضائية بصريح المادة 11 لا يمكن أن تتضمن تقييما لسلوك شخص من الأشخاص بناء على معالجة آلية لمعطيات ذات طابع شخصي يكون الغرض منها تقييم بعض جوانب شخصيته. وتضيف الفقرة الثانية بأنه لا يمكن كذلك لأي قرار آخر أن تنشأ عنه آثار قانونية تجاه شخص من الأشخاص أن يتخذ فقط بناء على معالجة آلية لمعطيات يكون الغرض منها تحديد صفات الشخص المعني أو تقييم بعض جوانب شخصيته.
ولخطورة الأمر وضمانا لحماية الأشخاص فقد عاقبت المادة 54 بعقوبة حبسية وبغرامة كل من قام بتجميع معطيات ذات طابع شخصي بطريقة تدليسية أو غير نزيهة أو غير مشروعة، أو أنجز أو أخضع المعطيات المذكورة لمعالجة لاحقة متعارضة مع الأغراض المصرح بها.  
  • خرق قانوني واضح جراء استنساخ تدوينات الزملاء  القضاة والاحتفاظ بها وطبعها ومواجهتم بها في مساطر تأديبية دون موافقة منهم.
  • كما أن اللجنة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية عند اللجوء إليها بناء على مرسوم إحداتها ستكون مجبرة للتصريح بمخالفة إعادة استعمال تديونات الفايسبوك دون إذن صاحبها للقانون وفي غير ما أعدت له.
حيث استقر الفقه والقضاء على أنه رغم خلو التشريع من أي نص يخول المجالس التأديبية سلطة رقابة دستورية القوانين ؛ فإن من واجبها  التصدى لذلك إذا دفع أمامها بعدم دستورية قانون أو أي تشريع فرعى أدنى مرتبة يطلب أحد الخصوم تطبيقه فى الدعوى المطروحة عليها، سندها فى تقرير اختصاصها هذا إلى أنه يعتبر من صميم وظيفتها القضائية القائمة على تطبيق القانون فيما يعرض عليها من منازعات،  فإذا تعارض القانون المطلوب تطبيقه فى الدعوى مع الدستور وجب عليها أن تطبق حكمه وتغفل حكم القانون وذلك إعمالاً لمبدأ سيادة الدستور وسموه على التشريعات الأخرى.
 
  • وحيث إنه تكتسي رقابة دستورية قانون المتابعة التأديبية وسند انعقاد المحاكمة أهمية قصوى مستمدة من واجب صون دستور 2011  وحمايته من الخروج على أحكامه باعتباره القانون الأسمى الذي يرسى الأصول والقواعد التى يقوم عليها نظام الحكم،  وأن هذا الهدف لا يتحقق على الوجه الذى يعنيه المشرع الدستوري إلا إذا انبسطت رقابة محكمة النقض  على فحص مدى انسجام المقتضيات المنظمة للتأديب ( الباب الخامس من ظهير 11 نونبر 1974 بمثابة النظام الأساسي لرجال القضاء ) مع الضمانات المكرسة دستوريا في باب السلطة القضائية ولاسيما المادة 112.
وحيث إن ما يجعل البت في الدفع أمرا ضروريا هو التراجع عن  التزام مؤسسة وزير العدل في شخص الوزير السابق النقيب محمد الناصري الذي أكد غير ما مرة على إيقاف المتابعات التأديبية للقضاة، حرصا على حقهم في الطعن، وبما ينسجم ومنطوق دستور 2011 .
 
  • وحيث إن أوجه عدم الدستورية تتجلي واضحة من كون ظهير 11 نونبر 1974 بمثابة النظام الأساسي لرجال القضاء في بابه الخامس المتعلق بالمسطرة التأديبية ( المادة 58 وما يليها ) المعتمدة في المحاكمة التأديبية أضحت متعارضة من حيث الضمانات المخولة للقضاة مع مقتضيات الباب من الدستور.
  •  إن الأصل فى تطبيق القاعدة القانونية أنها تسري على الوقائع القانونية التى تتم فى ظلها أى خلال الفترة من تاريخ العمل بها حتى تاريخ إلغاؤها ، فإذا ألغيت قاعدة قانونية وحلت محلها قاعدة قانونية جديدة فإن القاعدة الجديدة تسرى من الوقت المحدد لنفاذها ويقف سريان القاعدة القديمة من تاريخ إلغائها ؛ وبذلك يتحدد النطاق الزمنى لسريان كل من القاعدتين القانونيتين ، ومن ثم فإن المراكز القانونية التى نشأت وترتبت آثارها فى ظل أى من القانونين القديم أو الجديد تخضع لحكمه ، فما نشأ منها وترتبت آثاره فى ظل القانون القديم يظل خاضعاً له، وما نشأ من مراكز قانونية وترتبت آثاره فى ظل القانون الجديد يخضع لهذا القانون وحده، وأنه بتطبيق هذه القواعد على واقعة الدعوى يتبين أن الدستور النافذ منذ يوليوز 2011 بمنحه القضاة الحق في الطعن، وتعليق ذلك على صدور القوانين التنظيمية المنظمة للسلطة القضائية يكون قد عطل مقتضيات الباب الخامس من ظهير نونبر 1974 بمثابة النظام الأساسي لرجال القضاء، وحال دون تطبيقها في الزمن لأن من شأن ذلك أن يسلب القضاة حقا دستوريا مكتسبا بالطعن،
  • الأفعال المنسوبة للمتابعين جاءت في ظل دستور يوليوز 2011 الذي أكسبه حقا في الطعن لا يمكن لقانون أدنى ( ظهير 1974 ) أن يلغيه .
  • لقد استقر قضاء النقض على أن صيانة الحقوق المكتسبة من المبادئ العامة التي لا تسمح للسلطات الإدارية بالتراجع في مقرراتها التي اتخذتها في نطاق القوانين والتنظيمات الجاري بها العمل، وقت صدورها وخولت المستفيد منها وضعية ادارية معينة،
  • وحيث ولئن نص  الفصل 178 من الدستور على أنه في انتظار تنصيب المجلس الأعلى للسلطة القضائية يستمر المجلس الأعلى للقضاء في ممارسة صلاحياته؛ فإن ذلك لا يعني سوى استمرار هذا في ممارسة مهامه فيما لا يتعارض مع الدستور، و دون أن يؤدي ذلك إلى تطهير ما يخالفه من قوانين أو تحصينها من عدم الدستورية .
  • هذا وتعتبر إحالة القضاة بعد دستور 2011 على المجلس الأعلى للقضاء غير دستورية، على أساس أن دستور 2011 قد نص في الفصل 114  منه على  كون المقررات المتعلقة بالوضعيات الفردية الصادرة عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية  قابلة للطعن بسبب الشطط في استعمال السلطة أمام أعلى هيئة قضائية ادارية بالمملكة.
لأنه ولئن كان الفصل 178 من الدستور ينص على أن المجلس الأعلى للقضاء يستمر في ممارسة صلاحياته إلى أن يتم تنصيب المجلس الأعلى للسلطة القضائية ، فان اعتماد التأويل الديمقراطي والحقوقي للدستور؛ فقد كان المأمول من مجلسكم الموقر تأخير البت في الملف إلى حين تنصيب المجلس الأعلى للسلطة القضائية ضمانا للمساطر و مزايا التشكيلة الجديدة للمجلس المذكور. و في نفس المنحى تنص المبادئ التوجيهية التي اعتمدها مؤتمر الأمم المتحدة 8 لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين المنعقد في هافانا من 27 أغسطس الى 7 أيلول سبتمر 1990 بخصوص  الإجراءات التأديبية.
 
  • كما يتعين أن تعالج الشكاوى التي تقدم ضدهم و تدعي أنهم تجاوزوا بوضوح نطاق المعايير المهنية، معالجة سريعة و منصفة و في إطار إجراءات ملائمة، ويكون لهم الحق في الحصول على محاكمة عادلة، و يخضع القرار لمراجعة مستقلة.
  • لقد بات القضاة  يخافون من أن التحول  جميعا إلى ضحايا لواجب والتحفظ،
  • وهكذا نصت المادة 61  من النظام الأساسي للقضاة على ما يلي:
  • خرق حق الإطلاع على الملف وعلى جميع مستندات البحث باستثناء نظرية المقرر.
  • خرق إشعار القاضي المتابع قبل ثمانية أيام على الأقل بتاريخ اجتماع المجلس الأعلى للقضاء للنظر فـي قضيته.
  • ونصت المادة 60 من نفس القانون على:
  •  ما ينبغي ملاحظته أن رجال القانون ، وحتى بعض القضاة ، يعتقدون أن وزير العدل هو الذي يقرر إحالة القضاة إلى المجلس الأعلى للقضاء ومتابعتهم تأديبيا ، وسبب ذلك يعود إلى قراءة ظاهرية للفقرة الأولى من المادة 61  من النظام الأساسي لرجال القضاء، لكن بقراءة تحليلية للمادة المذكورة يتضح أن متابعة القضاة تأديبيا تمر عبر مراحل ثلاث:
المرحلة الأولى:
 
  • ينهي وزير العدل إلى علم المجلس الأعلى للقضاة الأفعال المنسوبة إلى القاضي و المستخلصة من البحث الذي تجريه المتفشية العامة التابعة لوزارة العدل ،وبما أن المجلس الأعلى للقضاء لا يكون منعقدا بصورة دائمة ، إذ يعقد دورتين في السنة ، فإن الأعضاء المعينين بقوة القانون وهم: الرئيس الأول لمحكمة النقض ، والوكيل العام للملك لديها ، ورئيس الغرفة الأولى ، يشكلون بقوة القانون لجنة دائمة برئاسة وزير العدل تمثل المجلس المذكور.
المرحلة الثانية :
 
  • تقوم اللجنة المذكورة - بهذه الصفة - بدراسة الأفعال المنسوبة للقاضي من خلال ما يحيله عليها وزير العدل من أبحاث وتقارير فتقرر :
إما حفظ ملف القضية إذا تبين لها عدم جدية الشكوى المقدمة ضد القاضي أو أن الفعل لا يشكل مخالفة تأديبية ، أو عدم وجود وسائل مادية تنبث هذه الأفعال في حق القاضي، أو أن الفعل المنسوب إليه يشكل جريمة ولم يصدر بعد قرار بمتابعته جنائيا . و إما متابعة القاضي بالأفعال المنسوبة إليه ، وإحالته إلى المجلس الأعلى للقضاء لينظر في قضيته .

المرحلة الثالثة:
 
  • وفي هذه الحالة أي بعد تقرير متابعة القاضي، يقوم وزير العدل بـ :
تعيين مقرر تكون درجته أعلى من درجة القاضي المتابع؛ ليقوم بإجراء بحث بخصوص الأفعال المنسوبة إليه ؛ إشعار القاضي بإحالته للمحاكمة التأديبية ، وتعريفيه باسم وصفة القاضي المقرر في قضيته ؛ توقيف القاضي عن مزاولة مهامه إذا توبع جنائيا أو ارتكب خطأ خطيرا.
 
  • لا حق لوزير العدل في متابعة القاضي تأديبيا، بإعتبار أن المادة 61  من النظام الأساسي للقضاة حصرت مهمة وزير العدل في إخبار المجلس الأعلى للقضاء بالأفعال المنسوبة إلى القاضي، وإذا كانت المادة المذكورة قد أعطت لوزير العدل حق تعيين المقرر " الذي يعتبر مفتاح المتابعة التأديبية "؛ كما علقت المادة 61   صلاحية الوزير على استشارة أعضاء المجلس المعينين بقوة القانون، وهذه الاستشارة لا تنصب على تعيين المقرر ، وإنما تنصب على الأفعال المنسوبة إلى القاضي و التي يرفعها وزير العدل إلى المجلس ، والاستشارة هنا كمصطلح قانوني لا تعني مجرد إبداء وجهة النظر وإنما تعني النظر و التداول ، وحتى التصويت إن اقتضى الأمر ذلك ، وبصورة أوضح فإنها تعني:
  • دراسة الأفعال المنسوبة للقاضي من قبل اللجنة المكونة من الأعضاء الدائمين بالمجلس واتخاذ قرار بشأنها. وبهذا المعنى وردت عبارة "بعد الاستشارة "في عدد من نصوص النظام الأساسي لرجال لقضاء منها :
المادة 60  التي تنص على أنه: « تصدر العقوبات بعد استشارة المجلس الأعلى للقضاء بقرار لوزير العدل بالنسبة لعقوبات الدرجة الأولى .
المادة 63 -الفقرة الثالثة- التي تنص على أنه: « يمكن أن تصدر ضد المعني بالأمر .............عقوبة العزل ....... بظهير بعد استشارة المجلس الأعلى للقضاء».
وبذلك يمكن القول أن الجهة المختصة  بمتابعة القضاة تأديبيا طبقا للمادة61 من النظام الأساسي لرجال القضاء هي لجنة المتابعة المكونة من الأعضاء المعنيين بقوة القانون؛ والتي تمثل المجلس الأعلى للقضاء برئاسة وزير العدل طبعا ؛وليس وزير العدل وحده، لعدم إقامة الوزير الدليل على الاستشارة بما يثبتها قانونا ، لأن المشرع قدر أهمية وقيمة الرأي والمقومات الفنية التي تملكها الهيئة المعنية، بحيث يكون من شأن إغفاله تفويت الغاية التشريعية التي من أجلها ألزم المشرع استشارتها أو أخذ رأيها.
وقد اعتبرت محكمة النقض  في قرار لها بتاريخ 25 مايو 1979 " أن القانون يوجب على الهيئة الإدارية أن لا تتخذ العقوبة الإدارية، إلا بعد أن يستشير رئيس المصلحة لمديرية التجارة الداخلية التابعة لوزارة التجارة، أو عند الاقتضاء رئيس المصلحة الخارجية ، وتضاف نسخة من هذه الاستشارة إلى الملف يعتبر المقرر الذي اتخذ بدون استيفاء الإجراء الذكور مشوبا بالشطط في استعمال السلطة ويتعين إلغاؤه.
 
  • لا يكفي لصحة قرار العقوبة استيفاء الإدارة لاستطلاع رأي لجنة مشورة، حسبما ألزمها المشرع بذلك، بل يجب لتقرير مشروعية القرار الصادر بتلك العقوبة، صحة تشكيل تلك اللجنة من الأعضاء المنصوص عليهم قانونا، مع ضرورة صحة انعقادها من حيث نصاب الأعضاء، ومكان الانعقاد، وبرئاسة الشخص الذي حدده القانون بصفته.
ويؤدي التغاضي عن طلب الاستشارة إلى بطلان القرار، لكون ذلك يؤدي إلى تفويت المصلحة التي عنى المشرع بتحقيقها،" مما يكون معه القرار موضوع الطعن حليفه الإلغاء .  
  • واجب التحفظ ليس معناه وأد الحرية بشكل مطلق وإنما فقط هو صمام الأمان لممارستها على الوجه الأكمل ،وقد عرفته المعايير الدولية  بأنه ينحصر في عدم الخوض في القرارات و الأحكام القضائية بشكل يمس بمصداقيتها من منظور تحقيق العدالة ، و أيضا عدم إبداء أراء و مواقف حول قضايا مازالت رائجة و لم يتم البت فيها بأحكام نهائية ، و عدم إفشاء السر المهني ، إضافة إلى الابتعاد عن الإدلاء بأي رأي قد يزرع الشك لدى المتقاضين حول حياده و تجرده و نزاهته.
فالقاضي إذا حرم من الحق في التعبير سيصبح قاض صامت وسلبي ولا يمكن الاطمئنان لا على استقلاله ولا على حياده ،فحرية التعبير من مداخل الاستقلال الفردي للقاضي ومصدر لحمايتها  
  • إن القضاة من حقهم الدفاع عن حقوقهم و مصالحهم ، و إذا لم يدافعوا عنها فمن سيقوم بهذه المهمة بدلهم ، و الدفاع عن الحقوق يتطلب الانفتاح و التعبير عن المواقف و الآراء بكل حرية فلا يمكن أن ننتظر من وزارة العدل كجهاز ينتمي إلى السلطة التنفيذية الدفاع عن مصالح القضاة و على مبدأ استقلالية القضاء و الحال أن و جودها في حد ذاته هو ضرب لهذه الاستقلالية . كما أن القضاة لا يمكن أن يتقوا في مؤسسة وزارة العدل و الحال أنهم يطالبون بإلغائها و زوالها و جعل القضاء شان قضائي خالص في يد القضاة يدبرونه بشكل مستقل إداريا و ماليا و قضائيا.
  • إن الدستور ارتقى بدور المواطن في المساهمة و الرقابة على السياسات العمومية في شتى المجالات من خلال منحه آلية الطعن في دستورية القوانين ، ومادام القاضي مواطن قبل كل شيء فمن حقه التمتع بهذا الامتياز الذي يتمتع به المواطن العادي بل إنه من باب أولى فإن القاضي بالنظر للمهام الخطيرة و الجسيمة التي يمارسها فإنه من حقه إبداء أرائه و التعبير عن رفضه لكل قانون أو مشروع قانون يقوض استقلاله بشكل شخصي أو في إطار مؤسساتي . و بالتالي فأن رفض مشاريع القوانين و اعتبارها ردة دستورية له ما يبرره قانونيا و دستوريا.
  • عدم احترام أجل الاستدعاءات الوارد في قانون المسطرة المدنية كأصل عام لجميع الاجراءات فيما لم يرد نص خاص وهو أجل 15 يوما الوارد في قانون المسطرة المدنية.
  • التأديب خلق لتخليق المرفق القضائي وتحقيق وضمان حسن سير العدالة وليس الانتقام من قاض والمساس باستقلاليته وإعدام حقه في التعبير عن رأيه  تنميطا للفكر وتدجينا له، والقضاء على الحق في الاختلاف ،وانتصارا  لعقلية التحكم والهيمنة ،والتمجيد والتصفيق عوض منهج الحوار والتوافق الايجابي لخدمة قضايا الوطن بما يقتضيه ذلك من حكامة جيدة وفكر دستوري.
  • بخصوص مفهوم واجب التحفظ: فإنه لا مناص من الاعتراف بأنه من غير المستساغ إعطاء واجب التحفظ مفهوما واسعا، لأن في ذلك نسف لنطاق حرية التعبير المخولة للقضاة، إذ يعتبر واجب التحفظ من أكثر الواجبات المفروضة على القضاة إثارة للجدل، وهو أول ما يواجه به القضاة عند ممارستهم لحقهم في التعبير أو عند دفاعهم عن حقوقهم المهنية، لذا ينبغي حصر هذا المفهوم ليشمل فقط :
ــ مجال ممارسة المهام القضائية:
 
  • من المعلوم أنه لا يقبل من القضاة إبداء آرائهم بخصوص القضايا الرائجة المعروضة عليهم لأن في ذلك مساس بحقوق المتقاضين وتأثير على السير العادي للعدالة، كما لا يقبل منهم إفشاء السر المهني عموما أو أسرار المداولة على وجه الخصوص.
ولا يمكن أن نقيس على ذلك الممارسة الجمعوية للقضاة لأن إلزامهم بالتحفظ بهذا الخصوص مساس خطير بحريتهم في التجمع، وهي الحرية المكفولة دستوريا، وعلى صعيد المواثيق والاتفاقيات الدولية، ومن شأن التسليم بهذا التأويل غير الديمقراطي للنص الدستوري تحويل جمعيات القضاة إلى  جمعيات صامتة عاجزة عن القيام بأي أدوار حقيقية للدفاع عن ضمانات استقلال السلطة القضائية بالشكل الذي تقره افضل التجارب الدولية في هذا الصدد.

بل وحتى بالرجوع إلى بعض الوثائق الدولية التي تطرقت لواجب التحفظ المفروض على حرية القضاة في التعبير يلاحظ أنه غالبا ما يتم ربطه بممارسة القضاة لمهامهم القضائية أو بمناسبة ذلك، وهكذا تؤكد مبادئ الأمم المتحدة لاستقلال السلطة القضائية في مادتها الخامسة عشر على أن القضاة ملزمون بالمحافظة على سر المهنة فيما يتعلق بمداولاتهم وبالمعلومات السرية التي يحصلون عليها أثناء أداء واجباتهم الأخرى خلاف الإجراءات العامة. ويشير تعريف الاتحاد العالمي للقضاة لواجب التحفظ بأنه يعني ممارسة القضاة لواجباتهم باعتدال وكرامة وباحترام لمهامهم ولأي شخص معني. وفي هذا الإطار اعتبر المجلس الأعلى للقضاء بفرنسا من صور إخلال القاضي بواجب التحفظ قيامه بإفشاء سرية  التحقيق الجنائي في قضية ما.

الشيء الذي يؤكد أن التعريف الديمقراطي لواجب التحفظ يقتضي حصر نطاقه على مجال ممارسة القضاة لمهامهم القضائية دون توسيعه ليشمل نشاطهم خارج إطار عملهم أو أي أنشطة جمعوية أخرى.
لقد أكدت التجارب الدولية أن واجب التحفظ كان ولا يزال هو ذلك السلاح أو القيد الذي تمارسه السلطة التنفيذية لمواجهة أي محاولة من السلطة القضائية لفرض استقلاليتها خاصة في الأنظمة الاستبدادية، إذ يمكن بالمناسبة أن نستحضر موقف أحد القضاة الشجعان بتونس عندما أرسل رسالة إلى رئيس الجمهورية السابق يؤكد فيها أن السلطة التنفيذية في البلاد لا تتوانى على التدخل في شؤون السلطة القضائية من خلال عملها المتواصل على التأثير على استقلالية القضاة في إصدارهم للأحكام، فما كان من وزير العدل إلا أن عمل على التعجيل بعزل هذا القاضي بحجة أنه أخل بواجب التحفظ المفروض على القضاة، وفي سوريا فاجئ وزير العدل القضاة بإصدار مرسوم يحظر عليهم فيه التحدث إلى وسائل الاعلام دون الحصول على إذن خاص منه، وهو ما اعتبر من طرف جهات حقوقية انتهاكاً خطيراً لحق القضاة في التعبير عن آرائهم أسوة بكل المواطنين، ومخالفة صريحة لمبادئ الأمم المتحدة حول استقلال القضاء ، وخرقاً لأحكام القانون السوري التي لم تمنع القضاة من الإدلاء بآرائهم الشخصية حول مختلف شؤون الحياة العامة باستثناء إبداء الآراء السياسية و إفشاء سر المداولات.
 
  • بخصوص عدم المجاهرة بأي برأي من شأنه زرع الشك لدى المتقاضين حول تجرده وحياد القاضي :
إذا كان من حق القاضي أن يعبر بكل حرية عن أفكاره، فإن واجب التحفظ يفرض عليه عدم المجاهرة بأي رأي من شأنه زرع الشك لدى المتقاضين حول تجرده وحياده، ومن ذلك عدم المجاهرة بالميل لأي توجه سياسي أو عرقي أو عقائدي، لما في ذلك من زرع للشك لدى المتقاضين حول تجرد القاضي وحياده، فقد جاء في البند 4/6 من مبادئ بنغالور ما يلي:( يحق للقاضي كأي مواطن آخر حرية التعبير و... ولكن يتعين عليه دائما عند ممارسته تلك الحقوق أن يتصرف بشكل يحافظ فيه على هيبة المنصب القضائي وحياد السلطة القضائية واستقلالها).
 
مفهوم الموقف الذي يكتسي صبغة سياسية :
 
  • حظر الفصل 111 من الدستور على  القضاة الانخراط في الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية،وترتيبا عليه يمنع عليهم ممارسة أي نشاط سياسي أو نقابي ،و هذا الأمر يعد محسوما ولا يقبل الجدل لأنه من نتائج استقلالية السلطة القضائية كمؤسسة واستقلال القاضي كفرد ليكون بعيدا عن التأثيرات والالتزامات التي يفرضها الحزب أو المنظمة ، ويجعله منحازا بعيدا عن مبادئ العدالة و ما يعد خرقا لمبادئ السلوك القضائي  التي تفرض التجرد والتحفظ،لكون الفعل السياسي أو النقابي قد يؤدي إلى تطويع القضاة لرغبات ومواقف أهل السياسة الذي يضعف مناعة وتحصين العمل القضائي ويضرب استقلاليته في العمق،ويجعل المحاكم تبدو شكلية وصورية بعيدا عن العدالة والنزاهة .
لقد أكدت المواثيق الدولية الخاصة بتعزيز استقلال القضاء، هذا المبدأ بتأكيدها أن القضاء لا ينبغى أن يكون أداة فى العمل السياسى، أو يتم استخدامه لإجازة أوامر تصدرها أي من السلطتين التنفيذية أو التشريعية، حتى لا تهتز ثقة الرأى العام فى حياد السلطة القضائية، ومما لا شك فيه أن انخراط القضاة فى العمل السياسى، أياً كانت صورته، يؤثر فى تجردهم ونزاهتهم واستقلالهم. لكن ما قد يثير التساؤل والنقاش العمومي هو شمول الحظر ليس فقط بالانخراط في الاحزاب السياسية والمنظمات النقابية وممارسة الانشطة السياسية والنقابية وإنما أيضا إبداء الموقف السياسي، فما هي إذن مقومات الموقف السياسي؟
 
  • يشمل الموقف السياسي أيضا ألا تشمل جلسات المحاكم ولا الأحكام الصادرة ولا الأسباب التى تبنى عليها الأحكام، إبداء رأى يتعلق بأمور السياسة . 
  • فالقضاء محايد والسياسة منحازة ، هكذا طبائع الأمور، وعندما يتسيس القاضي لأي سبب يفقد حياده وعدله ، لأن هناك علاقة تعارضية بين السياسة والقضاء،لكن السياسة المقصود بها هنا السياسة الحزبية والمسائل الداخلية للمنظمات السياسية التي يمنع على القاضي مجرد الخوض أو الجدال فيها ،لأن حظر انتمائه إليها يعني بداهة عدم الدخول في مجالاتها ، لانه بذلك يحمي استقلاله وبه تحصن وامتنع ،ليحس المواطن بعدل القاضي وبالثقة في أحكامه وبالتزامه بقسمه بألا يحكم إلا بضميره والقانون.
  • إن المثير للجدل هو توسيع مجال الحظر ليشمل ليس فقط الموقف السياسي وإنما أيضا التصريح المعتبر سياسيا مما سيعصف بشكل واضح بحرية التعبير بالنسبة للقضاة وسيجعلهم قضاة صامتين لا رأي لهم ،لأن كل تصريح إذا لم يكن سياسيا سيعتبر كذلك من باب الاشتباه قياسا على" ظهير كل ما من شأنه "وهذا يعد في الحقيقة مخالفة للدستور ولاسيما الفصل 111 الذي متع القضاة بحرية التعبير طالما أن التعبير متوافقا مع مبادئ التجرد والاستقلال والأخلاقيات القضائية، فضلا عن أن هذا المفهوم غير منضبط بالمرة ،ويستوعب جميع التصريحات التي يمكن الإدلاء بها من طرف القاضي بمناسبة عمله الجمعوي أو المهني أو العلمي في المنتديات العلمية والثقافية وفي وسائل الإعلام ،والهدف منه إقبار كل رأي قضائي حر مدافع عن استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية ،لأنه سيؤدي إلى فتح مجالات المتابعات التأديبية الموجهة عن كل انتقاد للسلطة التشريعية أو التنفيذية أو حتى لمؤسسات السلطة القضائية ،وكأنها معصومة من الخطأ .
 


معرض صور
.
.
.
.
.
.
.
.
G-VIIV Boeing 777 British Airways
LN-RRA Boeing 737-700 SAS
.
Air Force Air Trainer and Mt Cook